الشيخ محمد هادي معرفة
345
التفسير الأثرى الجامع
وأشنع من ذلك تعليلهم لتصرّفاتهم تلك الشانئة ، بأنّها من أثر صمود قلوبهم فلا ينفذ فيها عظة ولا ينفعها تذكار ، وهم مجبولون على ذلك وبذلك حاولوا سلب المسئوليّة عن أنفسهم بأعذار هي أشنع من الفعال . وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ مغلّفة مغلّقة لا تنفذ فيها دعوة ولا تنفعها نصيحة ، ولكنّهم كذبوا في وقاحة ولهجوا في شراسة بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ أبعدهم اللّه بسبب لجاجهم وعنادهم مع الحقّ الصريح ، فهم أغلقوا على أنفسهم أبواب الفهم وإدراك الحقيقة الناصعة ومن ثمّ - فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ أي قليل منهم يؤمنون ممّن راجعوا أنفسهم وفتحوا مغاليق قلوبهم ، الأمر الذي قد يتّفق لقليل منهم . وإليك أهمّ ما روي بهذا الشأن : [ 2 / 2578 ] أخرج ابن عساكر من طريق جويبر عن الضحّاك عن ابن عبّاس في قوله : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ قال : يعني التوراة جملة واحدة مفصّلة محكمة وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ يعني : رسولا يدعى إشموئيل ، ورسولا يدعى منشائيل ، ورسولا يدعى شعيا ، ورسولا يدعى حزقيل ، ورسولا يدعى أرميا بن حلقيا وهو الخضر ، ورسولا يدعى داود بن إيشا وهو أبو سليمان ، ورسولا يدعى المسيح عيسى بن مريم ، فهؤلاء الرسل ابتعثهم اللّه وانتخبهم للأمّة بعد موسى بن عمران ، وأخذ عليهم ميثاقا غليظا أن يؤدّوا إلى أممهم صفة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وصفة أمّته « 1 » . [ 2 / 2579 ] وقال مقاتل بن سليمان في قوله تعالى : وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ : يقول : وأعطينا عيسى ابن مريم العجائب التي كان يصنعها من خلق الطير وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن اللّه « 2 » . [ 2 / 2580 ] وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس قال : هي الآيات التي وضعت على يده من إحياء الموتى ، وخلقه من الطين كهيئة الطير ، وإبراء الأسقام ، والخبر بكثير من الغيوب ، وما ردّ عليهم من التوراة مع الإنجيل الذي أحدث اللّه إليه « 3 » .
--> ( 1 ) ابن عساكر 8 : 33 ، فصل 589 ( أرميا بن حلقيا ) ؛ الدرّ 1 : 212 - 213 . ( 2 ) تفسير مقاتل 1 : 121 . ( 3 ) الدرّ 1 : 213 ؛ الطبري 1 : 568 / 1224 ؛ ابن أبي حاتم 1 : 168 / 881 .